آلاف من الشبوط الداكن تفور عند حافة الماء ما إن تُلقى حبات الحمّص، ولا يصطادها أحد.
Anadolu — CC BY-SA 3.0 · Bernard Gagnon — CC BY-SA 3.0 · Dosseman — CC BY-SA 4.0 · Dosseman — CC BY-SA 4.0
لا أحد يصطاد هنا. آلاف من أسماك الشبوط الداكنة تتزاحم في حوض مستطيل طوله نحو 150 متراً وعرضه 30، تُطعَم كل يوم ولا تُمَسّ، لأن أهل أورفا يروون أن النمرود حين ألقى إبراهيم عليه السلام في النار انقلبت النار ماءً وانقلب الحطب سمكاً. ما إن تصل يفهمك المكان: الحوض هادئ كمرآة، الأعمدة والأقواس تنعكس فيه، وعائلات تمدّ أيديها بحبات الحمّص فتفور المياه سمكاً أسود. سواء صدّقت الرواية أم لا، المشهد نفسه يستحق الرحلة. يحيط بالبحيرة مجمّع دينيّ صادق، لا مسرح للسياح. في طرفها الغربي يقوم جامع خليل الرحمن بمئذنته المربعة الصلبة التي بناها الأيوبيون سنة 608هـ/1211م في عهد الملك الأشرف موسى ابن أخي صلاح الدين، بينما أُعيد بناء بيت الصلاة في العهد العثماني سنة 1810 وأُضيفت المدرسة المجاورة سنة 1871. وعلى ضفتها الشمالية يمتدّ رواق جامع الرضوانية الذي شيّده رضوان أحمد باشا والي الرقة العثماني، وتؤرّخه أكثر المصادر بعام 1736، بحيث تتسلل الأقواس من داخله إلى حافة الماء. جنوباً، على مبعدة خطوات، حوض «عين زليخة» الأصغر، وتقول الحكاية إنه تكوّن من دمع ابنة النمرود التي آمنت بإبراهيم. وشرقاً بمسافة عشر دقائق مشياً يقع مجمّع «الدرغاه» وكهف مولد الخليل الذي يقصده الأتراك من كل البلاد للدعاء، ويعدّه كثيرون أقدس موضع في المجمّع كله. لأهل الخليج والشام هذه أرض مألوفة: القصة قصتنا، والأسماء أسماؤنا، ولا يحتاج المكان إلى شرح. الدخول مجاني تماماً، البحيرة والحدائق حديقة عامة مفتوحة على مدار الساعة، والمسجدان يستقبلان الزوّار بين أوقات الصلاة، وتُباع أكياس طعام السمك بلقيمات قليلة من الليرات حول الحوض. الممرات مستوية ومرصوفة وتصلح لعربات الأطفال، والأطفال تحديداً يذهلهم المكان أكثر من أي متحف؛ حسابك الوحيد هو الحرارة، فأورفا في تموز وآب تتجاوز الأربعين، فادخر الزيارة لما بعد العصر حين تنزل المدينة كلها إلى ضفاف الماء وتُضاء المآذن. اعتبره موقع تجوّل وجلوس لا مزاراً بتذكرة: ساعة تكفي، وساعتان إذا شربت القهوة المرّة (مرّه) في المقاهي المطلّة على الحوض أو صلّيت في الرضوانية. الجمعة والأعياد والعشر الأواخر من رمضان تكتظّ حتى يصعب المشي. اربطها بالقلعة فوقك على التلة، وبخان الجمرك (كمرك خان) وسوق النحاسين خلف الأقواس، ومتحف شانلي أورفا للآثار الذي يحفظ «رجل أورفا» ولقى غوبكلي تبه على مسافة ربع ساعة مشياً شمالاً.
آلاف من الشبوط الداكن تفور عند حافة الماء ما إن تُلقى حبات الحمّص، ولا يصطادها أحد.
أقواس الجامع العثماني تمتدّ على الضفة الشمالية وتنعكس في الماء، وأجمل صورة تُلتقط منها عند الغروب.
حوض أصغر وأهدأ جنوباً، ثم كهف مولد الخليل شرقاً حيث يقف الأتراك للدعاء في خشوع.
حي أيوبية، أسفل تلة القلعة، شانلي أورفا
متحف حلب بهجة للفسيفساءفي عام 2006 كانت بلدية شانلي أورفا تحفر لتوسيع حديقة قرب بحيرة الأسماك، فظهرت من5 دقائق مشيًا4.8
مقابر كيزيلكويون الصخريةحتى عام 2011 كانت هذه المقابر غرفَ نوم ومخازن. عائلات كاملة سكنت في بيوت عشوائية5 دقائق مشيًا4.8
متحف شانلي أورفا للآثارأقدم تمثال بشري طبيعي بالحجم الحقيقي عرفته البشرية يقف هنا خلف زجاج، بعينين من ح9 دقائق مشيًا4.7لا تسافر إليها من أجل البحيرة وحدها؛ فهي ساعة إلى ساعتين من التجوّل مهما أحببتها. لكنها مع كهف مولد الخليل والقلعة وأسواق الخانات ومتحف الآثار تصنع يوماً كاملاً ممتازاً، وغوبكلي تبه على نصف ساعة بالسيارة يجعل الليلة في أورفا مبرَّرة تماماً. ابدأ بغوبكلي تبه صباحاً واختم بالبحيرة عند الغروب.
نعم، وهو من أنجح المواقع للأطفال في جنوب شرق تركيا: الممرات مستوية للعربات، وإطعام السمك يشغلهم طويلاً. لكن أورفا في تموز وآب تتجاوز الأربعين، فلا تأتِ قبل العصر، واحمل الماء، واجلس في ظلّ رواق الرضوانية أو المقاهي المطلّة على الحوض.